ابن أبي أصيبعة
197
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
لي يا جبرائيل أليس كنت تسألني عن السبب في قلة رزئي للطعام فقلت بلى يا أمير المؤمنين فقال الفكرة فيما ترى أصارتني إلى ما كنت فيه وأنا اليوم يا جبرائيل عند نفسي كالناقة قدم غذائي حتى ترى من الزيادة على ما كنت تراه عجبا وإنما كنت آكل الشيء بعد الشيء لئلا يثقل الطعام علي فيمرضني ثم دعا بطعامه في ذلك الوقت فأكل أكلا صالحا من ليلته قال يوسف حدثني إبراهيم بن المهدي أنه تخلف عن مجلس محمد الأمين أمير المؤمنين أيام خلافته عشية من العشايا لدواء كان أخذه وإن جبرائيل بن بختيشوع باكره غداة اليوم الثاني وأبلغه سلام الأمين وسأله عن حاله كيف كانت في دوائه ثم دنا منه فقال له أمر أمير المؤمنين في تجهيز علي بن عيسى بن ماهان إلى خراسان ليأتيه بالمأمون أسيرا في قيد من فضة وجبرائيل بريء من دين النصرانية إن لم يغلب المأمون محمدا ويقتله ويحوز ملكه فقلت له ويحك ولم قلت هذا القول وكيف قلته قال لأن هذا الخليفة الموسوس سكر في هذه الليلة فدعا أبا عصمة الشيعي صاحب حرسه وأمر بسواده فنزع عنه وألبسه ثيابي وزناري وقلنسوتي وألبسني أقبيته وسواده وسيفه ومنطقته وأجلسني في مجلس صاحب الحرس إلى وقت طلوع الفجر وأجلسه في مجلسي وقال لكل واحد مني ومن أبي عصمة قد قلدتك ما كان يتقلده صاحبك فقلت إن الله مغير ما به من نعمة لتغييره ما بنفسه منها وأنه إذا جعل حراسته إلى نصراني والنصرانية أذل الأديان لأنه ليس في عقد دين غيرها التسليم لما يريد به عدوه من المكروه مثل الإذعان لمن سخره بالسخرة وأن يمشي ميلا أن يزيد على ذلك ميلا آخر وإن لطم له خد حول الآخر ليلطم غير ديني فقضيت بأن عز الرجل زائل وقضيت أنه حين أجلس في مجلس متطببه الحافظ عنده لحياته والقائم بمصالح بدنه والخادم لطبيعته أبا عصمة الذي لا يفهم من كل ذلك قليلا ولا كثيرا بأنه لا عمر له وأن نفسه تالفة قال أبو إسحق فكان على ما تفاءل جبرائيل به قال يوسف بن إبراهيم وسمعت جبرائيل بن بختيشوع يحدث أبا إسحق إبراهيم بن المهدي أنه كان عند العباس بن محمد إذ دخل عليه شاعر امتدحه فلم يزل جبرائيل يسمع منه إلى أن صار إلى هذا البيت وهو ( لو قيل للعباس يا ابن محمد * قل لا وأنت مخلد ما قالها ) الكامل قال جبرائيل فلما سمعت هذا البيت لم أصبر لعلمي أن العباس أبخل أهل زمانه فقلت لا فتبسم العباس ثم قال لي اغرب قبح الله وجهك